الآلوسي

338

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

وارتحالا . وقيل : المراد ذات الرفعة أو ذات الوقار أو ذات الثبات وطول العمر والكل على الاستعارة . وقوله تعالى الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة أخرى لها أي لم يخلق مثلهم في عظم الأجرام والقوة في بلاد الدنيا ، وقد سمعت ما نقل عن الكواشي آنفا وما ذكر فيه من أنه كان أحدهم إلخ . جاء في حديث مرفوع أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معد يكرب . وقيل : إرم اسم مدينة لهم قال محمد بن كعب هي الإسكندرية . وقال ابن المسيب والمقبري : هي دمشق ، وقيل اسم أرضهم وهي بين عمان وحضرموت وهي أرض رمال وأحقاف فقد قال سبحانه وتعالى وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ [ الأحقاف : 21 ] وبهذا اعترض القول بأن مدينتهم الإسكندرية ، والقول بأنها دمشق حيث إنهما ليستا من بلاد الأحقاف والرمال إلا أن يقال ما هنا عاد الأولى ، وما في آية الأحقاف عاد الآخرة ، ويلتزم عدم اتحاد منازلهما . وعلى القول بكونه اسم مدينتهم أو اسم أرضهم فهو بتقدير مضاف لتصحيح التبعية أي أهل إرم . وقيل : يقدر مضاف في جانب المتبوع أي بمدينة أو بأرض عاد إرم وهو كما ترى ومنع الصرف على الوجهين لما سمعت ، والأكثرون على أنها اسم مدينة عظيمة في أرض اليمن والوصفان لها ، والمراد ذات البناء الرفيع أو ذات الأساطين التي لم يخلق مثلها سعة وحسن بيوت وبساتين في بلاد الدنيا ، ويروى أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال : أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة . ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها مسيرة يوم وليلة بعث اللّه تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا . وعن عبد اللّه بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثمّ ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقصّ عليه فبعث إلى كعب فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة ، فقال : هذا واللّه ذلك الرجل . وخبر شداد المذكور أخوه في الضعف بل لم تصح روايته كما ذكره الحافظ ابن حجر فهو موضوع كخبر ابن قلابة . وروي عن مجاهد أن إِرَمَ مصدر أرم يأرم إذا هلك ، فأرم بمعنى هلاك منصوب على نحو نصب المصدر التشبيهي مضاف إلى ذاتِ و الَّتِي صفة ل ذاتِ الْعِمادِ مرادا بها المدينة وكيف فعل في قوة كيف أهل فكأنه قيل : ألم تر كيف أهلك ربك عادا كهلاك ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وهو قول غريب غير قريب . وقرأ الحسن « يعاد رام » بإضافة عاد إلى إرم فجاز أن يكون إرم جدا والوصفان لعاد ، وأن يكون مدينة والوصفان لازم وجوز أن يكون لعاد . وقرأ ابن الزبير « بعاد أرم » بالإضافة أيضا إلّا أن أرم بفتح الهمزة وكسر الراء ، قيل : وهي لغة في المدينة لا غير . وعن الضحاك أنه قرأ « بعاد » مصروفا وغير مصروف « أرم » بفتح الهمزة وسكون الراء للتخفيف وأصله أرم كفخذ . وقرئ « إرم ذات » بإضافة إرم إلى ذات فقيل الإرم عليه العلم والمعنى بعاد أعلام ذات العماد وهي مدينتهم ، و الَّتِي صفة ل ذاتِ الْعِمادِ على الأظهر . وعن ابن عباس أنه قرأ « أرم » بالتشديد فعلا ماضيا ذات بالنصب على المفعول به أي جعل اللّه تعالى ذات العماد رميما ، ويكون أرم على ما في البحر بدلا من فعل أو تبيينا له ، والمراد بذات العماد عليه إما عاد نفسها ويكون فيه وضع المظهر موضع المضمر والنكتة فيه ظاهرة ، وإما مدينتهم ويكون جعلها رميما أي إهلاكها كناية عن جعلهم كذلك . وقرأ ابن الزبير « لم يخلق » مبنيا للفاعل وهو ضميره عزّ وجل مثلها بالنصب على المفعولية ، وعنه أيضا « لم نخلق » بنون العظمة .